لماذا #أبطال_الدبلوماسية في إفريقيا؟

في علم السياسية نصف الدبلوماسيين بسمات شخصية من أهمها: الشخصية المتزنة، والعقلية المتفتحة، والسماحة مع الآخر، والفضول المنطقي، والاستماع الجيد، والصبر، وسرعة البديهة، والذكاء مع سرعة التعلم، والكياسة مع الخلق الرفيع. لكن هل كانت هذه السمات كافية لأن يكسب أبطال الدبلوماسية السعودية جولتهم في إفريقيا مؤخرا؟ بالتأكيد لا!

من الممكن اختزال القيمة المضافة للمرحلة الحالية للملف السعودي – الإفريقي بـ “القوة الناعمة” و “العمل المستدام”. بطبيعة العلاقات الدولية، فإن أثر المشاريع السياسية “إقليميا ودوليا” تبرز نتائجها من خلال عامل زمني طويل يطلق عليه “عمر الشعوب”. لذا يتم العمل على القوة الناعمة بشكل عميق وهادئ، مع استجابة طفيفة لمتطلبات المرحلة، لإن الهدف استراتيجي، ولا يتم استنزافه من خلال التكتيكات الطارئة.

بدأت مسببات القوة الناعمة للمملكة في إفريقيا بعد أن تسللت القوى الداعمة للإرهاب إلى القارة السمراء، مستغلة قضايا الصراعات بين الدول وحتى داخل الدولة الواحدة. بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية للأنظمة، وتفاوتها بشكل غير عادل بين الكيانات والأفراد. لذا كانت متطلبات المرحلة حينها هي استيعاب هذا التغيير السلبي، وإعداد مشاريع تنموية معززة للسلام والأخلاقيات الدولية، يتم من خلالها تجفيف كل فرصة تهدم الإنسان، وتحول بيئته إلى عنصر جذب لقوى الإرهاب، وتعزز العنف. لذا كانت أهم طريقة هي الاتصال الدبلوماسي الفعال، بين قوى القارة ذات الاهتمام المشترك من جهة، والمملكة وحلفائها من جهة أخرى. ودعم ما من شأنه تنمية المجتمع واستقرار الأنظمة.

ففي الوقت الذي يتم فيه تقريب وجهات النظر بين القوى الإفريقية من خلال زاوية بانورامية، كانت هناك أعمال دبلوماسية نشطة تربط بين الدول المجاورة، وتختصر مسافات من الخلافات المتراكمة، وتذلل الصعوبات المعطلة لمصالحهم المشتركة. هذه القوة الناعمة كانت مستمدة من النظام السياسي المستقر للمملكة، والمتمتع بنفوذ دولي قوي، بالإضافة إلى العوامل الأخرى الداعمة مثل الأيدلوجية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. الهدف منهم جميعا أن تستقر الدول، وأن تركز على تنمية ذاتها، وأن تهيئ بيئتها لعلاقات دولية جاذبة للتنمية، وطاردة للعنف وقوى الإرهاب.

من ناحية أخرى، المملكة كانت ومازالت من أكبر الداعمين الدوليين للمشاريع الإنسانية، بميزانيات وقوى ضخمة، لذا من المهم أن تعزز برامج الوقاية من الأزمات الإنسانية وعوامل هدم تنمية المجتمعات، وأن تمحور عملياتها الدولية من أساليب العلاج إلى إسلوب الوقاية. اتفاق جدة للسلام بين إثيوبيا وإريتريا يقدم إنموذجا مهما للملف السعودي – الإفريقي. الإنجاز الدبلوماسي كان شاهد سلام على واحدة من أطول المواجهات العسكرية في إفريقيا. ويكفي أن نستعرض المقومات التالية لمعرفة حجم هذا الإنجاز الإقليمي والدولي المهم الذي أفرج عن مشاريع وعلاقات محورية لدول الجوار والإقليم.

إثيوبيا وهي ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، ويطلق عليها برج المياه في شرق القارة، لإن العديد من الأنهار تنبع من أراضيها المرتفعة، ولديها أكبر احتياطي للمياه في إفريقيا، وينقصها الإطلالة على الملاحة الدولية من خلال البحر الأحمر. هذه الإطلالة تملكها جارتها إريتريا من خلال موقع استراتيجي يؤثر على مضيق باب المندب. كما أن فتح الحدود بين الدولتين يختصر حقب زمنية من التبادل التجاري، والإندماج الثقافي والديني. وفي الوقت الذي تصافحت فيه أيادي القادة في حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة، انطلقت جولة أخرى للوزير السعودي للشؤون الإفريقية لإكمال قصة أبطال الدبلوماسية السعودية.

صحيح أن الخطوة السعودية مع الدولتين “والتي كانت دولة واحدة” تمثل رد الجميل للهجرة الأولى، التي آوت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، و مثلت إنموذجا للتعايش بين الأديان والقيم النبيلة، إلا أن فرحة إثيوبيا وإريتريا في إنهاء الخلاف، يتجاوز تراكمات الصراع الطويل داخل الدولة الواحدة، وحتى بين الدولتين، للترابط العرقي والعقائدي. بدأت آثارها في الحركة الاقتصادية وكبح الجماعات المتطرفة، بلغة واعية وإيجابية، أطرها رئيس وزراء إثيوبيا ،أبي أحمد، قائلا ” من الناحية النظرية يمكن أن ينتصر شخص بقتل أخيه، ولكن هذا الانتصار لا يكون حقيقيا “.

 

محمد الحسن العماري

متخصص في الاتصال والسياسة

Alemary.org