ما لم يقله القيصر!

زيارة تاريخية إلى المملكة العربية السعودية، يقوم بها ملهم العهد الجديد للأمة الروسية، فلاديمر بوتين القيصر المنحدر من سلالة الجهاز الاستخباراتي القديم. ونسبة إلى الأعراف في مخاطبة الرأي العام (كما قال)، فقد قام الرئيس الروسي بإعتلاء ثلاث منصات تطل على الخارطة العربية؛ قناة العربية وقناة سكاي نيوز بالإضافة إلى قناة روسيا اليوم الناطقة باللغة العربية. وخلافا للعادة، فقد قال القيصر الكثير نطقا، والأكثر ضمنا! فما الذي لم يقله، ونطقت به الملامح؟

بدءً، محور المقابلة ارتكز على مبدء العلاقات الروسية السعودية لكنه استفاض إلى كل ما يمس الحلفاء من القطبين؛ الشرقي والغربي. فقد استهل الرئيس بوتين رسالته للعامة بالإعتراف ببرودة العلاقات حد الجمود بين المملكة العربية السعودية والإتحاد السوفيتي، وأن من مهامه في العصر الحديث هو جذب حيوية الجزيرة العربية وقلبها النابض، لإذابة تاريخ المصافحات الباردة. كما أشار إلى أهم محورين ترتكز عليهما العلاقة بين البلدين؛ الطاقة و التقنيات العسكرية، وربطهما جذريا بمستوى الثقة المتبادلة. لكنه علق الأمر على أكثر ضمير مستتر في هذه المقابلة! فما هو؟

ذكر الرئيس الروسي الولايات المتحدة 5 مرات، ولكنه أوردها ضمنا في مجمل المحاور، والسبب أن القطب لا يمكن له أن يجتمع مع قطب آخر في نفس الموقع! لذا كان الضمير المستتر (الولايات المتحدة) محورا مهما في الملفات المطروحة، وأشار لها القيصر بإسقاطات ذكية تجرد الولايات المتحدة من السيطرة على المواقف إقليميا ودوليا، بينما كان يشير بإسم صريح إلى المملكة العربية السعودية، وأهميتها في جميع الملفات المحيطة بدون إستثناء، خاصة فيما يخص المواقف المحورية بين القطبين. ولكن ما الذي عجز القيصر عن تخطيه؟

ذكر الرئيس الروسي كلمة “الإتحاد” السوفيتي 7 مرات و “روسيا الإتحادية” مرة واحدة فقط! واستمد قوته في تقديم دولته من كيان الإتحاد السوفيتي، ولكنه فوق هذا وذاك عجز عن تخطي الجارة الفارسية، إيران. والسبب كما يذكر القيصر هو وقوعها على حدود بلاده. وبرغم جذور العداوات بين الفرس والقياصرة إلا أن بوتين أشار إلى امتداد الوجود الفارسي في المنطقة، ويمكننا بكل وضوح لمس حقيقة “الولايات المتحدة” في كل جملة لفظها الرئيس الروسي تجاه ملف إيران. فهل كانت الرسالة واضحة؟

الدبلوماسي الروسي يغلب عليه العمل أكثر من مهارات الاتصال، وهذه نقطة ضعفه، لكن ما حدث هو أن اللقاء قدم الزعيم الروسي كمتحدث خلافا للمعتاد. بالتأكيد الرسالة كانت واضحة وبدون تشويش، خاصة تلك الموجهة للقطب الغربي، ولكن كما قال الرئيس الروسي بالحرف ” أعرف شخصياً قادة هذه البلدان، فهم لا يحتاجون إلى المشورة والوساطة. حيث يمكن التحدث معهم فقط من باب الصداقة، وكيفية صياغة بعض الأفكار لصديق. أعلم أنهم أذكياء، فهم سيصغون ويحللون ما يقال لهم. وفي هذا السياق يمكننا لعب دور إيجابي.”

محمد الحسن العِمَاري
مختص في الاتصال و السياسة
Alemary.org

*تم نشر المقالة في Riyadh Today بتاريخ 15 / 10 / 2019 م
http://riyadhtoday.com/view/255