روسيا والسعودية … المصافحة الباردة

سباحة الرئيس الروسي بوتين في المياه الباردة كانت إشارة بأن الحرب الباردة لم تنتهي بعد. وأن القيصر الجديد خرج من سباته المؤقت لاستعادة ما تبقى من رماد الإتحاد الروسي. لعقدين استأنفت روسيا التحركات لفرض إسمها على الخريطة الدولية من جديد. اللعبة ذاتها لكن بقواعد مختلفة. لعبة القيصر الجديد امتدت في كل الاتجاهات وبكل طيش، ولأن القيصر ابن الكي بي جي فإعتماده الأكبر كان على المفاصل الاستخباراتية بشكل رئيس ومن ثم العسكرية. هذا الطيش امتد إلى عمق الشرق الأوسط، وبطريقة أو بأخرى نالنا من هذا العيار الطائش عنجهة القياصرة. لكن السؤال لماذا المصافحة الباردة ما زالت مستمرة بين المملكة العربية السعودية وروسيا برغم أن الأخير كان أول المعترفين بالمملكة من خارج الدول العربية.

بشكل أوضح ولفهم معادلة العلاقات بين الدولتين يجب أن نأخذ في الاعتبار الفلسفة السياسية لروسيا، وتراكمات التاريخ السياسي للروس، وأخيرا مصادر القوة للقوى الحاكمة في روسيا، ومن ثم استعراض ما يمكن تسميته بأهم المصالح المشتركة بين الدولتين.

إلى نهاية القرن الماضي، مثلت روسيا القطب الشرقي في الصراع السياسي الفعال على الخريطة الدولية. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي خلت الساحة للقطب الغربي في الهيمنة على مفاصل القوى في العالم. حتى مع موجة العولمة والتذويب لروسيا الحالية إلا أن هناك دماء قوية داخل روسيا تتغنى بالمجد الآفل وتتبنى النسخة المحدثة منه. النظام السياسي الجديد لروسيا يرفض ربطه بتعريف جمهوري أو ديمقراطي مشابه للنظام الغربي المتعارف عليه في أوروبا وأميركا. بمعنى أن روسيا مازالت مصرة على هويتها القديمة وترفض التخلي عن رماد الأم روسيا والانخراط في نظريات القوى الغربية من عولمة ورأس مالية وغيرها، ولو بالمكابرة. روسيا إلى اليوم وفي كل قضاياها الداخلية والخارجية ترتكز على فلسفة الإتحاد القديم بصفته الند للقوى الغربية في أميركا وأوروبا. هذا المرتكز أشبه بشفرة لفهم كل العلاقات الروسية الدولية. بمعنى أن أي علاقة خارجية سواء مع المملكة العربية السعودية أو أي قوى يتم تحديده من خلال المسافات مع قوى القطب الغربي وعلى رأسها أميركا وأوروبا. وبغض النظر عن الخلافات الجانبية للمملكة مع أميركا وحلفائها إلا أنها في المجمل يتم تصنيفها تحت القطب الغربي. هذا التصنيف يحدده بشكل واضح حجم العلاقات الاقتصادية والعسكرية. الإعتقاد بأن المملكة الحليف الأقرب للقوى الغربية يدفع روسيا للمصافحة الباردة في كل علاقاتها وتقوم بإجهاض أي تجربة حقيقية للانفتاح على المملكة والقبول الفعال لتمثيلها للجانب الإسلامي والعربي.

من جهة أخرى، الروس عاشقون للمآسي، فتاريخهم لم يرحمهم ولم يرحم كل من صادمهم. من قرن إلى قرن يتقلبون في الصراعات الدموية حتى الإدمان. و برود علاقاتهم مصدره التبلد من المآسي وليس برودة سيبيريا. الإمبراطورية استعبدت الشعب ولم ترحمه، وبنت على أكتافه كل مظاهر البذخ والفحش حتى الإجرام، و جولة على قصور سان بطرسبرغ وأرياف موسكو تحكي لك الكثير بلغة الدم. الإتحاد السوفيتي أيضا كان له من التطرف مع الشعب الشيء الكبير، فعاملت الاشتراكية الشعب كآلات وأدوات، وصنعت منهم أسنان منشار اعتقادا منها بأنهم أسنان مشط سواسية. حتى الصراعات الدولية دخلوها بأعداد مهولة أشهرها صد التوغل النازي في الحرب العالمية الثانية بخسائر بشرية قُدرت بـ 20 مليون إنسان، منهم تقريبا 7.6 مليون عسكري. هذا التراكم ولد لدى الشعب الروسي ثقة عمياء بقياداتهم رغبة في الإنقاذ وليس الرفاهية، و أوجدت نزوة سادية تجاه كل قائد عسكري. بمعنى أن الروس يعتقدون بأن كل عسكري سياسي وليس كل سياسي قائد. الملامح الباردة في علاقاتهم مصدره الخط الزمني الملون بالدم، والقوى المتحكمة في الشعب هم المقاتلون وليس السياسيون. لذا لا يهمهم من الإقتصاد إلا ما يزيد النخبة ثراءا والجهاز العسكري قوة. كما أن العسكري السياسي يرى أن الرفاهية أمر ثانوي والقوة مرتكز رئيسي. لذا كل العلاقات الدولية تحركها المصالح العسكرية والمحافظة على القوة والتحكم بما تبقى من روسيا  الأم.

التاريخ الروسي يعيد نفسه بأنماط متعددة، فالعصر الحديث استلم دفته العسكريون ذوو النفوذ الاقتصادي وبالتحديد في صناعة النفط. في الباطن نجد كل قائد روسي نافذ تمتد عروقه من أنابيب النفط. أما في الظاهر فالقوة المركزية مصدرها ما يسمى بالنظام شبه الرئاسي. هذا النظام شذبه وأحسن نحته الرئيس بوتين وحلفائه في النظام السياسي، حتى أنه دعم القائد السابق لحملته الإنتخابية دميتري ميدفيديف ليكون تيسا مستعارا على كرسي الرئاسة ليضمن الحكم لاحقا. في تلك الأثناء أي مع نهاية العقد الأول من الألفية كان يرتب الرجل المولود من رحم الكي جي بي مفاصل القوى للتحكم في البرلمان الروسي، وهو المهدد الحقيقي له في النظام الرئاسي. البرلمان الروسي ينقسم لمجلس أعلى وهو المجلس الاتحادي، ومجلس أدنى وهو مجلس الدوما. الأول برغم قوته يستمد الصلاحيات والتأثير من المجلس الأقل أي الدوما. أي أن الرئيس بوتين أحكم سيطرته على مجلس الدوما والمجموعات المؤثرة عليه، لذا فهو لا يخشى من المجلس الاتحادي أثناء ممارسة الحكم. حتى أن تيسه المستعار دميتري ميدفيديف عاد كرئيس للوزراء ليحمي ظهر قائده العسكري. الشاهد من هذا الإيضاح بأن مراكز القوى في روسيا تدور على قوتي النفط والعسكر، وأي علاقة مع الإتحاد الروسي تبدأ من هذه المصالح.

السلوك الروسي يفتقر للباقة الدبلوماسية، ويرى العلاقات بالمستوى العسكري في كل تعاملاته. لذا نلاحظ الأجندة الروسية في العلاقات الدولية خالية من التعريف الجاد بالروسي الإنسان وثقافته. هذا التجاهل ألا واعي يوضح بأن السلوك الروسي له نمط مختلف في المفاوضات ولا يعترف إلا باللغة المباشرة القائمة على مصالح حية لها أبعاد زمنية ومكانية وتحديد للمصلحة المشتركة. بمعنى أن أي لقاء بين الرياض وموسكو مبدئه تخفيف الإحتقان أو تبادل لوجهات النظر أو إتفاقيات مجوفة فبالتأكيد ستستمر المصافحة الباردة من موسكو. الروس لا يكترثون واندفاعهم نحو القضايا بطيش أوقعهم في كثير من المتاعب، والطبع يغلب التطبع. التعامل مع الروس تحديدا يجب أن يكون بإستراتيجية الفعل وليس ردة الفعل. ولكي نبث حرارة الصحراء في اليد الروسية المتبلدة، يجب العمل على مشاريع عسكرية وإقتصادية أو غيرها تكون حية وذات أبعاد زمنية ومكانية ومحددة للمصالح المشتركة. هذه المشاريع الهدف الاستراتيجي منها هو ربط الروس بعمق الجزيرة العربية وهو الإرث الذي سبق له هد القياصر والروم. بالتأكيد الأمريكان لن يرضوا ولن يرضوا، لكن سبق للمملكة أن بدأت بمد علاقاتها نحو الشرق عوضا عن الغرب ونجحت في ذلك.

 

محمد الحسن العماري

متخصص في الاتصال والسياسة

Alemary.org

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *