المضاد الحيوي لـ “جاستا”

“المصالح الوطنية” من أهم الأركان للسياسة الخارجية، وترتكز كل العلاقات الدولية لحفظ هذه المصالح داخل وخارج الدولة. “جاستا” وهو اختصار لقانون أمريكي مقترح يتم من خلاله فتح جسر قانوني بين الأفراد وحصانة السيادة للدول. بمعنى أن طوابير الابتزاز ضد الدول ستستنزف الوقت والمال لإثبات البراءة من رعاية أو دعم الإرهاب، عوضاً عن تشويها بالتهم. للأسف تم إقحام السعودية في هذا الملف لتحريك العواطف، وإيجاد طرف لإلقاء اللوم عليه، وهي عادة متعارف عليها في السلوك الأمريكي. مع منتصف عام  ٢٠١٥ م تم بدء طبخ القانون في الكونغرس، وقبلها بنصف عام تم قبوله للمناقشة في مجلس النواب الأمريكي. بمعنى أن سوسة النخر وإقحام السعودية متاح للعامة منذ سنتين تقريبا، فهل من المبرر التجمد حتى اللحظة والانتظار لردة الفعل عوضاً عن المبادرة للفعل!

 

   للدول مراكز رصد وقياس مؤشرات للحفاظ على مصالحها، ومن الطبيعي أن تُسخر كل الإمكانات للوقاية قبيل الوقوع في الورطة. قضية مثل جاستا هي لعنة قانونية، تفتح باب المرافعات من آلاف الأطراف المدنية ومن ينوبهم لاستنزاف الدول في الصد والرد عن التهم الموجهة إليها. السيناتور جون كورنين قائد لواء اعتماد جاستا، هو محام ومدع عام سابق، كذلك زملاؤه ومناصروه ذو خلفية قانونية قوية ويدركون مدى أثر القانون في عمليات الاستنزاف في أروقة المحاكم. نفاذ مثل هذا القانون مهدد لمصالح الدول التي وضعت كثيرا من بيضها داخل السلة الأمريكية. المقابل لهذا القانون أن جميع المصالح الأمريكية خارج حدودها معرضة للخطر على المدى البعيد، وذلك بمجرد سقوط ورقة التوت عن الحصانة السيادية. أي أن كل قضية أو جريمة أو خطأ قصف تضرر فيه أفراد بسبب الصقر الأمريكي الأصلع، فسيعرض العم سام للمسائلات والاستجواب في المحاكم الأجنبية.

 

   يتم استخدام وسائل الاتصال والإعلام في المراحل المتقدمة لأزمة مثل جاستا للضغط على صناع القرار؛ لأن كبسولة المفاوضات الدبلوماسية لم تعد تجدي نفعا. بمعنى أن المصلحة الوطنية للدول المتضررة تحتم عليها إيصال السيناريو المرئي المحتمل للضرر على الولايات المتحدة ومواطنيها، كما تقوم المراكز المتخصصة برصد كل القضايا والعثرات القانونية والأخلاقية ضد العم سام، والتلويح بها في هذه المرحلة بالذات! حتى القوة الناعمة غير ملائمة للمرحلة ولن يكون لها مفعول مؤثر في المدى القصير. القوة الناعمة ترتكز على ثلاثة أركان: الثقافة، القيم السياسية، السياسة الخارجية، وجميع هذا الأركان لا يوجد لها مرتكز يمكن من خلالها علاج قضية جاستا.

 

   على كل حال، جاستا ليست الأخيرة، وتهمة البريء موجعة لكن اليمين وحده لن يكفي للبراءة ودفع الظلم. النظام الأمريكي معقد، وكذلك القانون الدولي. الوقاية من الأزمة أهم استراتيجيا من إدارتها، وإن اضطررت لإدارتها فتأكد بأن ملفاتك تحوي ورقة رابحة، ولا نعني المال طبعا. لكن نعني لغة وحقائق بوسيلة اتصال مقنعة يغلب فيها السياسي المحامي.

 

محمد الحسن العِمَاري

متخصص في الاتصال والسياسة

ALEMARY.ORG

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *