ما بين الحرب والسلام.. معركة!

حين يعاين الطبيب حادثة كسر مضاعف للعظم، قد يضطر إلى إجراء مؤلم، يعيد فيه مواضع الأجزاء، ويعالج الألم بالألم، ليحافظ على سلامة كامل الجسد. الأمر نفسه ينطبق على دعاة السلام؛ لذا شن عمليات عسكرية صعبة ومؤلمة قد تحقق المصالح الدائمة، وتقوض قوى الشر التي تفتت المجتمع، وتعيد تشكيله بمسارات فوضوية، ليدمر نفسه بنفسه. ورغم كل شيء، فمن أصعب الصراعات الأخلاقية استخدام القوة لتمكين السلام! فكيف نحدد بوصلة المعركة ما بين قطبي الحرب والسلام؟

“الأمن” هو القيمة الأولى والأهم للمجتمعات والأفراد، وفي حال زعزعة هذه القيمة، تتم إعادة ترتيب الأولويات لحفظ الأمن مهما كان الثمن! لذا سنعود إلى طاولة القرار السيادي، التي أطلقت العمليات العسكرية لتحالف دعم الشرعية في اليمن، استنادًا إلى مبدأ الدفاع عن النفس من المادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة، واستنادًا إلى ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وذلك بعد أن طلب الرئيس الشرعي من قادة دول مجلس التعاون الخليجي الوقوف إلى جانب الشعب اليمني وحمايته من العدوان الحوثي المدعوم من قوى إقليمية فوضوية، إضافة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2201، الذي ألزم الحوثيين بسحب مسلحيها من المؤسسات الحكومية. إذن اليمن لم تكن بأحسن حالاتها، والمهم هو أن يتم تحييد الخطر بأقل الأضرار، فهل نجح الأمر؟

بعد أن تم تأمين النطاقين الجوي والبحري للدولة اليمنية، وتحييد تدخل الأنظمة الفوضوية علنيًا وباختراق مباشر لمفاصل النظام، كان من المهم الحفاظ على سيادة الدولة والبنية الشرعية للنظام المعترف به دوليًا، والأهم ألا تصل حال الدولة إلى نقطة اللا عودة، التي كانت مرهونة بالدعم الشرعي من قبل التحالف؛ لأن أي عملية لاحقة بعد مرحلة الانزلاق ستكون هدرًا للموارد وصعبة الاسترجاع؛ لذا كانت المنفعة المتعدية هي الحفاظ على النظام أولاً، وتمكينه من ممارسة أدواره داخل وخارج الدولة اليمنية، ثم تحجيم القوى الداخلية المسببة لهذه الفوضى، واحتواء مخاطرها على الإقليم والنظام الدولي. والأهم هو عملية الإصلاح العميقة للمجتمع اليمني، الذي كان أبعد ما يكون عن التنمية والازدهار، وذلك بتغلغل قوى الفوضى والإرهاب. وكما أن لكل شيء ثمنًا، فهل كان الثمن كافيًا لاستمرار العمليات العسكرية والتنموية لحماية اليمن، من نفسه أولاً! ومن قوى فوضوية مثل النظام الإيراني ثانيًا؟

مهما كان ثمن التضحيات لكل أعضاء تحالف دعم الشرعية في اليمن، إلا أنه أقل بكثير في حال لو تم السماح للنظام الإيراني بسرطنة جنوب الجزيرة العربية. ويكفي أن نعاين أي موضع تطأه إيران، فالنتيجة الحتمية هي السيطرة من خلال الفوضى، وبالتأكيد فإن أي حال لأي مجتمع يتغلغل فيه هذا النظام هي الفوضى والفوضى فقط! ولنتذكر العراق، ولبنان، وسورية، وفلسطين، وقطر، وغيرها. كما أن هناك مجتمعات نالت الويل من النظام الإيراني، ومنها الكويت والبحرين حتى السعودية التي تجرأ فيها النظام الإيراني على حرمة البيت الحرام، ومزج الدم ببياض الإحرام! 

الطريق إلى السلام شائك، وليس من الحكمة صناعة الأعداء، وقمة الانتصارات هي تحويل العدو إلى صديق، ونصف الانتصار هو تحييد خطر العدو، وعزله من أسلحته الموجهة ضدك ماديًا وفكريًا. ولطالما تموضعت المملكة العربية السعودية في صف الشعوب المحيطة، واستنطقت كوامن السلام داخل كل مجتمع. ومهما كانت الظروف، إلا أن المملكة لا تنسى مصيرها الحتمي للدعوة إلى السلام، واقتناص الفرص لاحتواء القادة والموارد، والدفع بهم تجاه مصالح الإقليم والعالم؛ لأن الإنسان يأتي أولاً، رغمًا عن أنف دعاة الفوضى!

محمد الحسن العِمَاري
مختص في الاتصال و السياسة
Alemary.org

*تم نشر المقالة في جريد الرياض بتاريخ 12 نوفمبر 2019 م
http://www.alriyadh.com/1787365

في المعركة … لماذا لا تكون السعودية مثل إيران؟

مدونة محمد الحسن العماري

لم يزل عام ٦٤٤ ميلاديا ممتدا بدخانه على خارطة المنطقة، ولطالما كانت المعركة الحاسمة حينها تمثل مرجا بين بحرين؛ أولها لمقاتل قادم من الجزيرة العربية، وثانيها لمقاتل يدفع دفعا من “شاهنشاهي إيران” أو ما تسمى “الإمبراطورية الفارسية”. ومنذ ذلك الحين لم يزل “شَرَار فارس” يحاول إضرام معابد النيران بأي طريقة دموية كانت، وإلى حينه يحاول “شِرَار فارس” الاستمرار ومد النفوذ إلى تاريخنا اليوم، ولكن مالذي حصل؟

في ذلك العام، كان صهيل الخيول أقوى من نَّهِيْم الفيلة! وصليل السيوف أشد من رشق النبال! ولكن ما حدث هو أن المقاتل القادم من الجزيرة العربية أطاح بإمبراطورية فارس بدون أن يدمر المعمورة، واحتوى ثقافة الإنسان ورَشَّدَها، وعمر الأرض ومن عليها، وإلى حينه ظل هذا المقاتل محافظا على إرثه في خوض أي معركة، محتفظا بقوته دون زمجرة وصراخ لإن قوته مستمدة من قيم تعمر الأرض ومن عليها.

هذا المقاتل يقف اليوم حاميا لجزيرته العربية من كل عدوان، يشد عَضُد إخوته الأوفياء، لنصرة المظلوم ودفع الظالم. هذا المقاتل يرتجل الأرض ويشق البحر ويحلق في الجو لرد “شِرَار فارس” إلى معابد نيرانها. وفي نفس الوقت، تأخذه الرأفة بإنسان ليس له حول ولا قوة، قد يطاله “شَرَار فارس” ويصيبه الضرر بغير ذنب. إذا لماذا يلجم هذا المقاتل صليل سيفه إلى حينه؟

هذا المقاتل يؤمن بكل قيمة للإنسان، وكما كان أجداده شامات في العهد ومكارم الأخلاق، استمر السليل قابض بيديه على كل معاهدة واتفاقية تؤمن بالإنسان وكرامته. مقاتل الجزيرة العربية يقف اليوم على أبواب صنعاء والحديدة وصعدة وغيرها، عين على “شِرَار فارس” وعين أخرى على إنسان اليمن المحتجز بين يدي الجلاد! مقاتل الجزيرة متعطش لحفظ الدم أكثر من سكب دم عدوه، لذا يدفع الشر عن البريء ولو تطاير عليه بعض من الشَرَار! هذا المقاتل يتوشح بالشهادتين على قلبه وكتفه، وبهما يحترم كل عهد وميثاق، هذا المقاتل المطرز بعلم أخضر شامخ لا ينتكس وقع على ١٢٨ معاهدة واتفاقية وميثاق، منها ٣٥ مرتبطة بشكل مباشر بالإنسان وحقوقه، في السلم والحرب!

هذا المقاتل الممثل لمملكته العربية السعودية يصون العهد ولا يخلفه، يقر بحقوق الإنسان وحمايته، فكيف لو كان جاره؟ المقاتل السعودي سليل أجداده يحفظ الأرض ويصونها، ولا يرضى أبدا أن يكون جاره مرتعا لـ “شِرَار فارس” الذي عاث في فلسطين والعراق ولبنان وسوريا! المقاتل السعودي دمه حر، ولا يتعامل مع العهود كأوراق ومصالح مجردة، بل يستمدها من دستوره الذي يتوشح شهادتيه. المقاتل السعودي في الحرب والسلم يدخل بخير ولا يذكر إلا بخير، دخل فلسطين مناصرا، وحرر الكويت ناصرا، ودفع عن البحرين شرا. وفي كل الظروف لا يزال المقاتل السعودي ممثلا لحضارته يدافع عن الحق ولا يدفع إلى ظلم!

المقاتل السعودي يعلم أن دولته تحترم دول العالم وتقدرها، ويعي أن العلاقات بين الأمم تمهدها السياسة وتأطرها الاقتصاد، ولكن فوق هذا وذاك يؤمن من صميم قلبه أن جاره يستغيث به لنصرته من عدو اخترقه وأحرقه، لذا لن يكون المقاتل السعودي إلا بردا وسلاما وخير من يمثل علم وطنه، ولن ينجر إلى أخلاقيات الكيانات القائمة على الدم والمصدرة للإرهاب.

روسيا والسعودية … المصافحة الباردة

سباحة الرئيس الروسي بوتين في المياه الباردة كانت إشارة بأن الحرب الباردة لم تنتهي بعد. وأن القيصر الجديد خرج من سباته المؤقت لاستعادة ما تبقى من رماد الإتحاد الروسي. لعقدين استأنفت روسيا التحركات لفرض إسمها على الخريطة الدولية من جديد. اللعبة ذاتها لكن بقواعد مختلفة. لعبة القيصر الجديد امتدت في كل الاتجاهات وبكل طيش، ولأن القيصر ابن الكي بي جي فإعتماده الأكبر كان على المفاصل الاستخباراتية بشكل رئيس ومن ثم العسكرية. هذا الطيش امتد إلى عمق الشرق الأوسط، وبطريقة أو بأخرى نالنا من هذا العيار الطائش عنجهة القياصرة. لكن السؤال لماذا المصافحة الباردة ما زالت مستمرة بين المملكة العربية السعودية وروسيا برغم أن الأخير كان أول المعترفين بالمملكة من خارج الدول العربية.

بشكل أوضح ولفهم معادلة العلاقات بين الدولتين يجب أن نأخذ في الاعتبار الفلسفة السياسية لروسيا، وتراكمات التاريخ السياسي للروس، وأخيرا مصادر القوة للقوى الحاكمة في روسيا، ومن ثم استعراض ما يمكن تسميته بأهم المصالح المشتركة بين الدولتين.

إلى نهاية القرن الماضي، مثلت روسيا القطب الشرقي في الصراع السياسي الفعال على الخريطة الدولية. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي خلت الساحة للقطب الغربي في الهيمنة على مفاصل القوى في العالم. حتى مع موجة العولمة والتذويب لروسيا الحالية إلا أن هناك دماء قوية داخل روسيا تتغنى بالمجد الآفل وتتبنى النسخة المحدثة منه. النظام السياسي الجديد لروسيا يرفض ربطه بتعريف جمهوري أو ديمقراطي مشابه للنظام الغربي المتعارف عليه في أوروبا وأميركا. بمعنى أن روسيا مازالت مصرة على هويتها القديمة وترفض التخلي عن رماد الأم روسيا والانخراط في نظريات القوى الغربية من عولمة ورأس مالية وغيرها، ولو بالمكابرة. روسيا إلى اليوم وفي كل قضاياها الداخلية والخارجية ترتكز على فلسفة الإتحاد القديم بصفته الند للقوى الغربية في أميركا وأوروبا. هذا المرتكز أشبه بشفرة لفهم كل العلاقات الروسية الدولية. بمعنى أن أي علاقة خارجية سواء مع المملكة العربية السعودية أو أي قوى يتم تحديده من خلال المسافات مع قوى القطب الغربي وعلى رأسها أميركا وأوروبا. وبغض النظر عن الخلافات الجانبية للمملكة مع أميركا وحلفائها إلا أنها في المجمل يتم تصنيفها تحت القطب الغربي. هذا التصنيف يحدده بشكل واضح حجم العلاقات الاقتصادية والعسكرية. الإعتقاد بأن المملكة الحليف الأقرب للقوى الغربية يدفع روسيا للمصافحة الباردة في كل علاقاتها وتقوم بإجهاض أي تجربة حقيقية للانفتاح على المملكة والقبول الفعال لتمثيلها للجانب الإسلامي والعربي.

من جهة أخرى، الروس عاشقون للمآسي، فتاريخهم لم يرحمهم ولم يرحم كل من صادمهم. من قرن إلى قرن يتقلبون في الصراعات الدموية حتى الإدمان. و برود علاقاتهم مصدره التبلد من المآسي وليس برودة سيبيريا. الإمبراطورية استعبدت الشعب ولم ترحمه، وبنت على أكتافه كل مظاهر البذخ والفحش حتى الإجرام، و جولة على قصور سان بطرسبرغ وأرياف موسكو تحكي لك الكثير بلغة الدم. الإتحاد السوفيتي أيضا كان له من التطرف مع الشعب الشيء الكبير، فعاملت الاشتراكية الشعب كآلات وأدوات، وصنعت منهم أسنان منشار اعتقادا منها بأنهم أسنان مشط سواسية. حتى الصراعات الدولية دخلوها بأعداد مهولة أشهرها صد التوغل النازي في الحرب العالمية الثانية بخسائر بشرية قُدرت بـ 20 مليون إنسان، منهم تقريبا 7.6 مليون عسكري. هذا التراكم ولد لدى الشعب الروسي ثقة عمياء بقياداتهم رغبة في الإنقاذ وليس الرفاهية، و أوجدت نزوة سادية تجاه كل قائد عسكري. بمعنى أن الروس يعتقدون بأن كل عسكري سياسي وليس كل سياسي قائد. الملامح الباردة في علاقاتهم مصدره الخط الزمني الملون بالدم، والقوى المتحكمة في الشعب هم المقاتلون وليس السياسيون. لذا لا يهمهم من الإقتصاد إلا ما يزيد النخبة ثراءا والجهاز العسكري قوة. كما أن العسكري السياسي يرى أن الرفاهية أمر ثانوي والقوة مرتكز رئيسي. لذا كل العلاقات الدولية تحركها المصالح العسكرية والمحافظة على القوة والتحكم بما تبقى من روسيا  الأم.

التاريخ الروسي يعيد نفسه بأنماط متعددة، فالعصر الحديث استلم دفته العسكريون ذوو النفوذ الاقتصادي وبالتحديد في صناعة النفط. في الباطن نجد كل قائد روسي نافذ تمتد عروقه من أنابيب النفط. أما في الظاهر فالقوة المركزية مصدرها ما يسمى بالنظام شبه الرئاسي. هذا النظام شذبه وأحسن نحته الرئيس بوتين وحلفائه في النظام السياسي، حتى أنه دعم القائد السابق لحملته الإنتخابية دميتري ميدفيديف ليكون تيسا مستعارا على كرسي الرئاسة ليضمن الحكم لاحقا. في تلك الأثناء أي مع نهاية العقد الأول من الألفية كان يرتب الرجل المولود من رحم الكي جي بي مفاصل القوى للتحكم في البرلمان الروسي، وهو المهدد الحقيقي له في النظام الرئاسي. البرلمان الروسي ينقسم لمجلس أعلى وهو المجلس الاتحادي، ومجلس أدنى وهو مجلس الدوما. الأول برغم قوته يستمد الصلاحيات والتأثير من المجلس الأقل أي الدوما. أي أن الرئيس بوتين أحكم سيطرته على مجلس الدوما والمجموعات المؤثرة عليه، لذا فهو لا يخشى من المجلس الاتحادي أثناء ممارسة الحكم. حتى أن تيسه المستعار دميتري ميدفيديف عاد كرئيس للوزراء ليحمي ظهر قائده العسكري. الشاهد من هذا الإيضاح بأن مراكز القوى في روسيا تدور على قوتي النفط والعسكر، وأي علاقة مع الإتحاد الروسي تبدأ من هذه المصالح.

السلوك الروسي يفتقر للباقة الدبلوماسية، ويرى العلاقات بالمستوى العسكري في كل تعاملاته. لذا نلاحظ الأجندة الروسية في العلاقات الدولية خالية من التعريف الجاد بالروسي الإنسان وثقافته. هذا التجاهل ألا واعي يوضح بأن السلوك الروسي له نمط مختلف في المفاوضات ولا يعترف إلا باللغة المباشرة القائمة على مصالح حية لها أبعاد زمنية ومكانية وتحديد للمصلحة المشتركة. بمعنى أن أي لقاء بين الرياض وموسكو مبدئه تخفيف الإحتقان أو تبادل لوجهات النظر أو إتفاقيات مجوفة فبالتأكيد ستستمر المصافحة الباردة من موسكو. الروس لا يكترثون واندفاعهم نحو القضايا بطيش أوقعهم في كثير من المتاعب، والطبع يغلب التطبع. التعامل مع الروس تحديدا يجب أن يكون بإستراتيجية الفعل وليس ردة الفعل. ولكي نبث حرارة الصحراء في اليد الروسية المتبلدة، يجب العمل على مشاريع عسكرية وإقتصادية أو غيرها تكون حية وذات أبعاد زمنية ومكانية ومحددة للمصالح المشتركة. هذه المشاريع الهدف الاستراتيجي منها هو ربط الروس بعمق الجزيرة العربية وهو الإرث الذي سبق له هد القياصر والروم. بالتأكيد الأمريكان لن يرضوا ولن يرضوا، لكن سبق للمملكة أن بدأت بمد علاقاتها نحو الشرق عوضا عن الغرب ونجحت في ذلك.

 

محمد الحسن العماري

متخصص في الاتصال والسياسة

Alemary.org

 

العم سام والخميني … زواج متعة!

منذ مطلع 1984 وإيران تتصدر قائمة رعاة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية. رسميا وإلى حينه وفي موقعها الإليكتروني تصف الخارجية الأمريكية إيران بأنها مرارا وتكرارا تقوم بدعم الإرهاب وعلى نطاق دولي! وتقر بأن إيران تتربع القائمة السوداء لذا هي ممنوعة من المساعدات الأميريكية ومحظورة من صفقات الدفاع، بالإضافة إلى الضوابط المشددة على الصادرات والقيود المالية وغيرها. إذن ما الفائدة من الإتفاق النووي! وهل بالفعل تتلقى إيران صفعة باليمين وأخرى حانية باليسار من العم سام!

 

الإتفاق النووي هو زواج متعة مؤقت إلى أجل، لا ميراث فيه لإيران، والفِرْقَة بين العم سام والخميني تقع عند انقضاء الأجل. بمعنى أن الإتفاق النووي الأصل فيه الفراق والإختلاف لا الإتفاق والسلام. إدارة أوباما رأت بأن الإتفاق هو صد لضرر متراكم وإنجاز تاريخي محتمل للملف الأمريكي الإيراني. لذا فرطت في حلفائها بالإقليم وقاتلت بشراسة ضد الكونغرس والمنظمات الدولية لتجد مخرجا للنظام الإيراني. أي أن السلوك العدائي لأتباع الخميني لأكثر من ثلاثة عقود وفي خمس قارات لم يدع مجالا للتفائل بإتفاق عملي ومنطقي يكبح تطرف النظام الحاكم في طهران.

 

واشنطن بالمقابل أقرت الإتفاق الركيك ووفرت مخرجا سريعا لبعض الأموال المجيرة للنظام الإيراني بإسم الشعب. لكن الطبع العدائي يغلب تطبع التَقّية، لذا سرعان ما تم رصد الإنتهاكات للاتفاق من قبل إيران. آخر هذه الانتهاكات هي تجاوز إيران لمعدل مخزون الماء الثقيل وهو المكون الذي يمكنها من صناعة سلاح نووي. السفيرة الأميركية لدى وكالة الطاقة الذرية لورا هولجت بدورها شددت على أن تلتزم إيران بالإتفاق النووي وأن يبقى مخزون الماء الثقيل أقل من ١٣٠ طن. الانتهاكات المتكررة عززت الصورة الضعيفة للولايات المتحدة الأمريكية في المجتمع الدولي. والعهد الجديد للجمهوريين في الكونغرس والبيت الأبيض من المتوقع أن يرد بمواقف تمثل العم سام. وحتى قبل أن يستلم الجمهوريون قيادة البيت الأبيض صرح المتحدث بإسم الكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية بأكثر من مرة بأن النظام الإيراني مستمر بدعم الإرهاب وتجارب الصواريخ البالستية وإنتهاكات الإتفاق النووي.

 

كما يجب أن نأخذ بالإعتبار أن طريقة معالجة الحزب الجمهوري للمصالح الخارجية تختلف عن الحزب الديموقراطي وإن كان مصدرهما دستور واحد. أي أن أصحاب الفيل يتسمون بالصرامة والتسرع و الإستخدام المفرط للقوة والجيش. من ناحية أخرى، أصحاب الحمار يتسمون بالتأني المؤدي للتردد والنعومة في العلاقات مع الدول بالإضافة إلى الإستخدام التكتيكي والمحدود للقوة. أمر آخر هو أن العم سام فقد بريقه كشرطي للعالم خلال الثمان السنوات الماضية وقوى منافسة مثل روسيا والصين تقدمت خطوات على الخريطة الدولية، ما يعني بأن الجمهوريين أمام تحدي لإعادة الإعتبار لراعي البقر.

 

على أية حال، التقارير المتخصصة في واشنطن ومنها The Weekly Standard تقدر بأن إيران على مدى عام من حيازة النووي! والجمهوريون يتوعدون برامج أوباما بالتعطيل والتقويض، والإتفاق النووي إحداها. وسلوك إيران العدائي المستمر سيعزز هذا الموقف. كما أنه سيوضح بأن الإتفاق النووي بالفعل كان زواج متعة مرره أوباما لأجل نصر مجوف. لأن الواقعية الدبلوماسية تقول بأن فرص النجاح متلازمة لإحترام الإتفاقيات، وتعزيز النوايا الحسنة شرط مهم لمبادرات السلام والعلاقات السلمية بين الأمم. عبثا حاول أوباما البحث عن مجد في غير محله، واستمات مع الديموقراطيين لإستنساخ زواج كاثوليكي لكن الحال انتهى بزواج متعة.  

 

محمد الحسن العماري    

متخصص في الإتصال والسياسة

ALEMARY.ORG

الخلايا الأمريكية النائمة

لطالما تفاخرت الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخها القديم مع العنصرية باعتباره ملفا “أسودا” وتم طيه. ولأكثر من قرنين حاولت القوى السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة امتصاص الاختلاف وصهره في قالب “أمريكا الجديدة”. وبشكل رسمي وغير رسمي يتم ذكر هذه الحقبة السوداء تاريخيا بأنها مرحلة من الماضي وتم تخطيها، سواء مع الهنود الحمر أو السود أو الأقليات وغيرهم. هذا الاعتراف يتم سرده إلى اليوم ضمن مصادر التعليم الأمريكي ونصب شواهده في المتاحف والمعارض المتخصصة. معيار القوة من وجهة نظرهم أنه برغم قوة الاختلاف ودمويته إلا أن الناتج هو بناء كيان أممي مسيطر يجمع الكل تحت علم واحد! فهل هذا صحيح!

 

جزئيا نعم. لكن الحلم الأمريكي للمساواة والحريات لم يستمر كما تمنى الجميع. حتى مع وصول أول أمريكي من أصول إفريقية إلى قيادة البيت “الأبيض” إلا أن جلوسه على كرسي الرئاسة كان شاهدا على عشرات الحوادث العنصرية، والمواجهات بين السود وأحفاد المستعمرين البيض سواء في قضايا فردية أو مؤسسية أو على المستوى الفدرالي. هناك دراسات تصف ملف التمييز العنصري خلال الثمان السنوات الأخيرة بـ “الواسعة والعميقة”، والمؤشرات الاجتماعية تؤكد أن العنصرية طفحت على أكثر من مستوى في الولايات المتحدة وأن الوضع الحالي هو “بزوغ لمرحلة مخيفة”.

 

القوانين الأمريكية تحرم التمييز العنصري، وهذه القيود القانونية هي اللجام الحقيقي لممارسة التمييز داخل المجتمع الأمريكي. هناك مثالب في هذا القانون وبإمكان ممثلي القانون والحقوق الالتفاف عليه، لكن الحوادث الأخيرة والمظاهرات كان لها صوت أعلى بأن العقود الماضية لمعالجة القضية لم تكن إلا مسكنات. بمعنى أن جذور قانون الحقوق المدنية والذي تم سنه في عام ١٩٦٤م لم يقض على التمييز العنصري في المجتمع الأمريكي، والسبب أن قوة القانون لم تغلب قوة المجتمع.

 

المرشح الرئاسي دونالد ترامب شاهد على هذه النتيجة. وكان سببا رئيسيا لإيقاظ خلايا التمييز العنصري داخل المجتمع الأمريكي. مناصروه النائمون سابقا، ومنهم الممتدون على أطراف الجبال أو ما يسمون بـ “الرقاب الحمر” هم الأكثر ولاءً ودعما لتوجهاته لأنه دغدغ أحاسيس المستعمر القديم بداخلهم. زيارة سريعة لسفوح جبال تينيسي وويست فيرجينيا وجارتها فيرجينيا وولايات مشابهة تعطيك التشخيص الحقيقي للمجتمع الذي لم يقبل حتى اللحظة تعايشه الكامل مع طرف آخر حتى ولو تم قطع سره داخل الكونغرس أو قدم حياته لحماية العم سام. ومن حياة الريف والمزارع إلى المدن الحضارية ومواطن المعرفة والتقدم، يتم ممارسة هذه “التقية” أي قبول المساواة والحرية “شكلا” وصدها “مضمونا”.

 

ما قام به ترامب هو إيقاظ العملاق العنصري داخل المجتمع، وعزز مفهوم الاستعمار القائم على نبذ الآخر وعدم مشاركته في الحلم الأمريكي، وهذا يتناقض مع مسلمات “أمريكا الجديدة”. بلغة أخرى، ترامب رئيس أمريكي حقيقي ينتمي لحقبة المستعمرين الذين لا يؤمنون بـ “أمريكا الجديدة”. والكارثة هي أن يقود هذا الفكر “المكارثي” الجهاز الإداري للولايات المتحدة الأمريكية.

 

  محمد الحسن العِماري

متخصص في الاتصال والسياسة

ALEMARY.ORG

 

إيران … جار السوء في دار المقامة!

ماذا لو إمتلكت كل دولة سلاحا نوويا؟ سؤال جدلي لا تخلوا منه قاعات السياسة عند مناقشتها لموازين القوى بين الأمم. تقول الفرضية، لو أن أطراف متعددة جلست على طاولة واحدة وحاز كل واحد منهم سلاحا مماثلا، لتعادلت لغة الحوار. وفي الوقت نفسه لن يتجرأ أحد على رفع السلاح، لأن المنطق يقول بأن الرصاصة ستعود على المنتحر لا محالة. العقلانية هي الشرط الوحيد لهذه الفرضية. بمعنى أن من بيده السلاح لابد أن يكون مسؤولا وله سلوك إيجابي وغير عدواني حتى نضمن الإستقرار والثقة على الطاولة! لكن ما هو الحال لو أن الطاولة حضرها طرف ثيوقراطي مثل إيران ولها سجل تاريخي مزعج وسلوك عدواني مع دول الجوار، بالتأكيد فإن كل الأطراف لن تهدأ حتى يمتلكوا نفس السلاح أو حتى يتأكدوا من إقتلاع مسمار جحا من الطاولة.

لأكثر من عقد ركضت إيران وحلفائها من قوى الشرق من جهة وقوى الغرب من جهة أخرى بين عواصم العالم، لتقنًين الإستخدام النووي وإلباسه جلد الحمل الوديع أو مايسمى بالإستخدام السلمي للطاقة النووية. إيران كانت ترى أن هذا الإتفاق هو النور للخروج من النفق المظلم أي الحصار الإقتصادي. الهدف الرئيسي من هذا الإتفاق هو رعاية مصالح الدول العظمى وإن لم تتقاطع مع الحلفاء في المنطقة وعلى رأسهم دول الخليج العربي. لكن لماذا لا تثق دول المنطقة بهذا الإتفاق خصوصا بعد أن قدمت الدول العظمى ضمانات لحلفائها وعلى رأسهم دول الخليج المتاخمة لدولة إيران.

الجواب هو أن تاريخ الثورة الإيرانية وقادتها لم يتركوا أي مجال للثقة والأمل بالإستقرار مع الجار. إيران والمختطفة من قبل المرشد الأعلى وقادة الثورة ترى بأن دول الجوار وإن كانت ذات سيادة مستقلة فلابد أن تطالها أمواج الثورة. منذ اشتعال شرار الثورة الإيرانية وتاريخ العلاقات مع دول الجوار لم يخلوا من تفجير أو تخريب أو حرب منظمة. السلوك الأيدلوجي للثورة الإيرانية يؤمن بأن الدول المماثلة أو القوية على طاولة المنطقة وبالذات المخالفة لها عقائديا يجب أن تذوق العيار الطائش. أما الدول الصغرى فهي لا تتوانى في ممارسة الوصاية عليها فتقوم تارة بالدعم والتمويل للطابور الخامس وتارة بزرع خلايا مهمتها قلب موازين الحكم والسيطرة لصالح طهران.

قائمة الحوادث التاريخية لسلوك الحكومة الثيوقراطية مع دول الجوار تطول، لكن أبرزها حينما قلبت إيرانظهر المجنعلى العراق بعد الغزو الأمريكي ومارست لوقت طويل الوصاية بإسم الثورة، فقامت بحرق كل من يخالف ثورة طهران. لبنان أيضا عانت الأمرين من وصاية المتعهد بإسم الثورة أو ما يسمى بحزب الله، فحول لبنان إلى دولة مترهلة منزوعة السيادة وتدار من طهران عوضا عن بيروت. اليمن هي الأخرى مثال حي تم إحراقه بإسم المرشد الأعلى وبإسم الثورة! أما الدول الكبرى فلم تتوانى إيران بإرسال عناصرها لزعزعة صورتها أمام المجتمع الدولي، فكل شيء يجوز للثورة وإن كانت الجريمة داخل البيت الحرام، ويمتزج فيها الدم ببياض الإحرام.

يوما بعد يوم تُثبت جارة السوء إيران بأن تُقية تعهدات الليل يمحوها النهار، ودول المنطقة لن تكفيها عبارات وتعهدات مذيلة بـضماناتلإن سلوك إيران لا ضامن له، وإن جنت على نفسها براقش ومارس المرشد الأعلى ومريدوه التجويع والتقشف على الشعب بإسم الإله! أما الدول الخمسة + ١ فلن تقدم مصالح دول المنطقة على مصالحها، وإن جمعتهم العولمة الإقتصادية في بحيرة يغلب الجزر فيها المد. بالتأكيد لن يرتاح كل من في الطاولة مادام لإيران يد طولى لإمتلاك قوى يحكمها سلوك عدواني ومضطرب، فهي جار سوء في دار المقامة!

 

محمد الحسن العِمَاري

متخصص في الإتصال والسياسة

ALEMARY.ORG