إيران … جار السوء في دار المقامة!

ماذا لو إمتلكت كل دولة سلاحا نوويا؟ سؤال جدلي لا تخلوا منه قاعات السياسة عند مناقشتها لموازين القوى بين الأمم. تقول الفرضية، لو أن أطراف متعددة جلست على طاولة واحدة وحاز كل واحد منهم سلاحا مماثلا، لتعادلت لغة الحوار. وفي الوقت نفسه لن يتجرأ أحد على رفع السلاح، لأن المنطق يقول بأن الرصاصة ستعود على المنتحر لا محالة. العقلانية هي الشرط الوحيد لهذه الفرضية. بمعنى أن من بيده السلاح لابد أن يكون مسؤولا وله سلوك إيجابي وغير عدواني حتى نضمن الإستقرار والثقة على الطاولة! لكن ما هو الحال لو أن الطاولة حضرها طرف ثيوقراطي مثل إيران ولها سجل تاريخي مزعج وسلوك عدواني مع دول الجوار، بالتأكيد فإن كل الأطراف لن تهدأ حتى يمتلكوا نفس السلاح أو حتى يتأكدوا من إقتلاع مسمار جحا من الطاولة.

لأكثر من عقد ركضت إيران وحلفائها من قوى الشرق من جهة وقوى الغرب من جهة أخرى بين عواصم العالم، لتقنًين الإستخدام النووي وإلباسه جلد الحمل الوديع أو مايسمى بالإستخدام السلمي للطاقة النووية. إيران كانت ترى أن هذا الإتفاق هو النور للخروج من النفق المظلم أي الحصار الإقتصادي. الهدف الرئيسي من هذا الإتفاق هو رعاية مصالح الدول العظمى وإن لم تتقاطع مع الحلفاء في المنطقة وعلى رأسهم دول الخليج العربي. لكن لماذا لا تثق دول المنطقة بهذا الإتفاق خصوصا بعد أن قدمت الدول العظمى ضمانات لحلفائها وعلى رأسهم دول الخليج المتاخمة لدولة إيران.

الجواب هو أن تاريخ الثورة الإيرانية وقادتها لم يتركوا أي مجال للثقة والأمل بالإستقرار مع الجار. إيران والمختطفة من قبل المرشد الأعلى وقادة الثورة ترى بأن دول الجوار وإن كانت ذات سيادة مستقلة فلابد أن تطالها أمواج الثورة. منذ اشتعال شرار الثورة الإيرانية وتاريخ العلاقات مع دول الجوار لم يخلوا من تفجير أو تخريب أو حرب منظمة. السلوك الأيدلوجي للثورة الإيرانية يؤمن بأن الدول المماثلة أو القوية على طاولة المنطقة وبالذات المخالفة لها عقائديا يجب أن تذوق العيار الطائش. أما الدول الصغرى فهي لا تتوانى في ممارسة الوصاية عليها فتقوم تارة بالدعم والتمويل للطابور الخامس وتارة بزرع خلايا مهمتها قلب موازين الحكم والسيطرة لصالح طهران.

قائمة الحوادث التاريخية لسلوك الحكومة الثيوقراطية مع دول الجوار تطول، لكن أبرزها حينما قلبت إيرانظهر المجنعلى العراق بعد الغزو الأمريكي ومارست لوقت طويل الوصاية بإسم الثورة، فقامت بحرق كل من يخالف ثورة طهران. لبنان أيضا عانت الأمرين من وصاية المتعهد بإسم الثورة أو ما يسمى بحزب الله، فحول لبنان إلى دولة مترهلة منزوعة السيادة وتدار من طهران عوضا عن بيروت. اليمن هي الأخرى مثال حي تم إحراقه بإسم المرشد الأعلى وبإسم الثورة! أما الدول الكبرى فلم تتوانى إيران بإرسال عناصرها لزعزعة صورتها أمام المجتمع الدولي، فكل شيء يجوز للثورة وإن كانت الجريمة داخل البيت الحرام، ويمتزج فيها الدم ببياض الإحرام.

يوما بعد يوم تُثبت جارة السوء إيران بأن تُقية تعهدات الليل يمحوها النهار، ودول المنطقة لن تكفيها عبارات وتعهدات مذيلة بـضماناتلإن سلوك إيران لا ضامن له، وإن جنت على نفسها براقش ومارس المرشد الأعلى ومريدوه التجويع والتقشف على الشعب بإسم الإله! أما الدول الخمسة + ١ فلن تقدم مصالح دول المنطقة على مصالحها، وإن جمعتهم العولمة الإقتصادية في بحيرة يغلب الجزر فيها المد. بالتأكيد لن يرتاح كل من في الطاولة مادام لإيران يد طولى لإمتلاك قوى يحكمها سلوك عدواني ومضطرب، فهي جار سوء في دار المقامة!

 

محمد الحسن العِمَاري

متخصص في الإتصال والسياسة

ALEMARY.ORG