ما بين الحرب والسلام.. معركة!

حين يعاين الطبيب حادثة كسر مضاعف للعظم، قد يضطر إلى إجراء مؤلم، يعيد فيه مواضع الأجزاء، ويعالج الألم بالألم، ليحافظ على سلامة كامل الجسد. الأمر نفسه ينطبق على دعاة السلام؛ لذا شن عمليات عسكرية صعبة ومؤلمة قد تحقق المصالح الدائمة، وتقوض قوى الشر التي تفتت المجتمع، وتعيد تشكيله بمسارات فوضوية، ليدمر نفسه بنفسه. ورغم كل شيء، فمن أصعب الصراعات الأخلاقية استخدام القوة لتمكين السلام! فكيف نحدد بوصلة المعركة ما بين قطبي الحرب والسلام؟

“الأمن” هو القيمة الأولى والأهم للمجتمعات والأفراد، وفي حال زعزعة هذه القيمة، تتم إعادة ترتيب الأولويات لحفظ الأمن مهما كان الثمن! لذا سنعود إلى طاولة القرار السيادي، التي أطلقت العمليات العسكرية لتحالف دعم الشرعية في اليمن، استنادًا إلى مبدأ الدفاع عن النفس من المادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة، واستنادًا إلى ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وذلك بعد أن طلب الرئيس الشرعي من قادة دول مجلس التعاون الخليجي الوقوف إلى جانب الشعب اليمني وحمايته من العدوان الحوثي المدعوم من قوى إقليمية فوضوية، إضافة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2201، الذي ألزم الحوثيين بسحب مسلحيها من المؤسسات الحكومية. إذن اليمن لم تكن بأحسن حالاتها، والمهم هو أن يتم تحييد الخطر بأقل الأضرار، فهل نجح الأمر؟

بعد أن تم تأمين النطاقين الجوي والبحري للدولة اليمنية، وتحييد تدخل الأنظمة الفوضوية علنيًا وباختراق مباشر لمفاصل النظام، كان من المهم الحفاظ على سيادة الدولة والبنية الشرعية للنظام المعترف به دوليًا، والأهم ألا تصل حال الدولة إلى نقطة اللا عودة، التي كانت مرهونة بالدعم الشرعي من قبل التحالف؛ لأن أي عملية لاحقة بعد مرحلة الانزلاق ستكون هدرًا للموارد وصعبة الاسترجاع؛ لذا كانت المنفعة المتعدية هي الحفاظ على النظام أولاً، وتمكينه من ممارسة أدواره داخل وخارج الدولة اليمنية، ثم تحجيم القوى الداخلية المسببة لهذه الفوضى، واحتواء مخاطرها على الإقليم والنظام الدولي. والأهم هو عملية الإصلاح العميقة للمجتمع اليمني، الذي كان أبعد ما يكون عن التنمية والازدهار، وذلك بتغلغل قوى الفوضى والإرهاب. وكما أن لكل شيء ثمنًا، فهل كان الثمن كافيًا لاستمرار العمليات العسكرية والتنموية لحماية اليمن، من نفسه أولاً! ومن قوى فوضوية مثل النظام الإيراني ثانيًا؟

مهما كان ثمن التضحيات لكل أعضاء تحالف دعم الشرعية في اليمن، إلا أنه أقل بكثير في حال لو تم السماح للنظام الإيراني بسرطنة جنوب الجزيرة العربية. ويكفي أن نعاين أي موضع تطأه إيران، فالنتيجة الحتمية هي السيطرة من خلال الفوضى، وبالتأكيد فإن أي حال لأي مجتمع يتغلغل فيه هذا النظام هي الفوضى والفوضى فقط! ولنتذكر العراق، ولبنان، وسورية، وفلسطين، وقطر، وغيرها. كما أن هناك مجتمعات نالت الويل من النظام الإيراني، ومنها الكويت والبحرين حتى السعودية التي تجرأ فيها النظام الإيراني على حرمة البيت الحرام، ومزج الدم ببياض الإحرام! 

الطريق إلى السلام شائك، وليس من الحكمة صناعة الأعداء، وقمة الانتصارات هي تحويل العدو إلى صديق، ونصف الانتصار هو تحييد خطر العدو، وعزله من أسلحته الموجهة ضدك ماديًا وفكريًا. ولطالما تموضعت المملكة العربية السعودية في صف الشعوب المحيطة، واستنطقت كوامن السلام داخل كل مجتمع. ومهما كانت الظروف، إلا أن المملكة لا تنسى مصيرها الحتمي للدعوة إلى السلام، واقتناص الفرص لاحتواء القادة والموارد، والدفع بهم تجاه مصالح الإقليم والعالم؛ لأن الإنسان يأتي أولاً، رغمًا عن أنف دعاة الفوضى!

محمد الحسن العِمَاري
مختص في الاتصال و السياسة
Alemary.org

*تم نشر المقالة في جريد الرياض بتاريخ 12 نوفمبر 2019 م
http://www.alriyadh.com/1787365

سياسة الفعل … ورد الفعل !

تتصاعد المواقف السياسية المستفزة في المحيط الإقليمي، والتي بدورها تدفع جميع الأطراف، خاصة الأنظمة المستقرة، نحو الارتباك أو على أقل تقدير نحو خانة “ردة الفعل”. وبعلاقة طردية، تعلو أسئلة الرأي العام؛ لماذا لا يتم التعامل بالمثل فورا للرد على هذه المواقف المستفزة؟

يجب أن ندرك أولاً، أن مبدأ السياسة الخارجية يقوم على تحقيق المصلحة الوطنية. وأن الهدف من جميع الممارسات الدبلوماسية مع النطاق الخارجي هي حماية هذه المصلحة، سواء كانت مادية مباشرة أو معنوية غير مباشرة. وفي موازين السياسة الخارجية نخضع لميزاني “الفعل” و “ردة الفعل”، وجميع العمليات تنطلق من هذين المنظورين. وكلما رجحت كفة “الفعل” على “ردة الفعل”، كان لنا الأسبقية في التحكم بالمسار، أو التحكم بالنتائج على أقل تقدير! ولكن من وجهة النظر السياسية، ما هو قانون “الفعل” و “ردة الفعل” ؟

مهنيا نطلق على الكفة الأولى من هذه المعادلة “الاستشراف” أو “الاستباق” ، وعلى الكفة الثانية “ردة الفعل” أو “الاستجابة”. وبلغة علمية أخرى، نخضع للقانون الفيزيائي “الفعل” و “ردة الفعل”. أي أنه لا توجد قوة منفردة في العالم وأن تحركنا مع المحيط الخارجي يعتمد على تفاعل القوى الخارجية مع مصالحنا الوطنية.

لنفترض أن العمليات العسكرية والفوضوية التي استهدفت المملكة العربية السعودية تم الرد عليها بنفس الوقت وبنفس المنهج كـ “ردة فعل” ! ما هو حجم الأضرار التي ستلحق بالمصالح الوطنية داخل وخارج حدود الدولة؟ كيف سيؤثر ذلك على المشاريع التنموية على النطاق الإقليميي والدولي؟ كيف سيقوض ذلك عمل سنين من البناء ومد الجسور مع الشعوب وأنظمتها؟ خاصة وأن دولتك تدعم مفهوم الدول المسؤولة والأنظمة المستقرة  وازدهار الدول! والأهم أن العالم أجمع يعتمد عليك!

بكل تأكيد لا نود حينها أن نكون في خانة ردة الفعل ونخسر عنصر التحكم ونقع في فخ الاستدراج! ولكن، سننطلق من مبدء “الفعل” وبناءً على مشاريع سياسية عميقة وبالتعاون مع “الحلفاء” و”الأصدقاء اللدودين” وحتى “عدو عدوي”، سنعمل على تحقيق الحد الأقصى من المصالح من هذه العمليات العسكرية والفوضوية، وسنسعى للحد من المخاطر التي تهدد المصلحة الوطنية. بمعنى أن جميع العمليات يجب أن تمر من خلال مبادئ السياسة الخارجية، وممارسة أدواتها بفاعلية واستباق، والسبب أن أفضل المعارك هي التي ننتصر فيها دون خوضها … كما قال صن تزو!

محمد الحسن العِمَاري
مختص في الاتصال و السياسة
Alemary.org

*تم نشر المقالة في جريد الرياض بتاريخ 30 أكتوبر 2019
http://www.alriyadh.com/1784933

ما لم يقله القيصر!

زيارة تاريخية إلى المملكة العربية السعودية، يقوم بها ملهم العهد الجديد للأمة الروسية، فلاديمر بوتين القيصر المنحدر من سلالة الجهاز الاستخباراتي القديم. ونسبة إلى الأعراف في مخاطبة الرأي العام (كما قال)، فقد قام الرئيس الروسي بإعتلاء ثلاث منصات تطل على الخارطة العربية؛ قناة العربية وقناة سكاي نيوز بالإضافة إلى قناة روسيا اليوم الناطقة باللغة العربية. وخلافا للعادة، فقد قال القيصر الكثير نطقا، والأكثر ضمنا! فما الذي لم يقله، ونطقت به الملامح؟

بدءً، محور المقابلة ارتكز على مبدء العلاقات الروسية السعودية لكنه استفاض إلى كل ما يمس الحلفاء من القطبين؛ الشرقي والغربي. فقد استهل الرئيس بوتين رسالته للعامة بالإعتراف ببرودة العلاقات حد الجمود بين المملكة العربية السعودية والإتحاد السوفيتي، وأن من مهامه في العصر الحديث هو جذب حيوية الجزيرة العربية وقلبها النابض، لإذابة تاريخ المصافحات الباردة. كما أشار إلى أهم محورين ترتكز عليهما العلاقة بين البلدين؛ الطاقة و التقنيات العسكرية، وربطهما جذريا بمستوى الثقة المتبادلة. لكنه علق الأمر على أكثر ضمير مستتر في هذه المقابلة! فما هو؟

ذكر الرئيس الروسي الولايات المتحدة 5 مرات، ولكنه أوردها ضمنا في مجمل المحاور، والسبب أن القطب لا يمكن له أن يجتمع مع قطب آخر في نفس الموقع! لذا كان الضمير المستتر (الولايات المتحدة) محورا مهما في الملفات المطروحة، وأشار لها القيصر بإسقاطات ذكية تجرد الولايات المتحدة من السيطرة على المواقف إقليميا ودوليا، بينما كان يشير بإسم صريح إلى المملكة العربية السعودية، وأهميتها في جميع الملفات المحيطة بدون إستثناء، خاصة فيما يخص المواقف المحورية بين القطبين. ولكن ما الذي عجز القيصر عن تخطيه؟

ذكر الرئيس الروسي كلمة “الإتحاد” السوفيتي 7 مرات و “روسيا الإتحادية” مرة واحدة فقط! واستمد قوته في تقديم دولته من كيان الإتحاد السوفيتي، ولكنه فوق هذا وذاك عجز عن تخطي الجارة الفارسية، إيران. والسبب كما يذكر القيصر هو وقوعها على حدود بلاده. وبرغم جذور العداوات بين الفرس والقياصرة إلا أن بوتين أشار إلى امتداد الوجود الفارسي في المنطقة، ويمكننا بكل وضوح لمس حقيقة “الولايات المتحدة” في كل جملة لفظها الرئيس الروسي تجاه ملف إيران. فهل كانت الرسالة واضحة؟

الدبلوماسي الروسي يغلب عليه العمل أكثر من مهارات الاتصال، وهذه نقطة ضعفه، لكن ما حدث هو أن اللقاء قدم الزعيم الروسي كمتحدث خلافا للمعتاد. بالتأكيد الرسالة كانت واضحة وبدون تشويش، خاصة تلك الموجهة للقطب الغربي، ولكن كما قال الرئيس الروسي بالحرف ” أعرف شخصياً قادة هذه البلدان، فهم لا يحتاجون إلى المشورة والوساطة. حيث يمكن التحدث معهم فقط من باب الصداقة، وكيفية صياغة بعض الأفكار لصديق. أعلم أنهم أذكياء، فهم سيصغون ويحللون ما يقال لهم. وفي هذا السياق يمكننا لعب دور إيجابي.”

محمد الحسن العِمَاري
مختص في الاتصال و السياسة
Alemary.org

*تم نشر المقالة في Riyadh Today بتاريخ 15 / 10 / 2019 م
http://riyadhtoday.com/view/255

لماذا #أبطال_الدبلوماسية في إفريقيا؟

في علم السياسية نصف الدبلوماسيين بسمات شخصية من أهمها: الشخصية المتزنة، والعقلية المتفتحة، والسماحة مع الآخر، والفضول المنطقي، والاستماع الجيد، والصبر، وسرعة البديهة، والذكاء مع سرعة التعلم، والكياسة مع الخلق الرفيع. لكن هل كانت هذه السمات كافية لأن يكسب أبطال الدبلوماسية السعودية جولتهم في إفريقيا مؤخرا؟ بالتأكيد لا!

من الممكن اختزال القيمة المضافة للمرحلة الحالية للملف السعودي – الإفريقي بـ “القوة الناعمة” و “العمل المستدام”. بطبيعة العلاقات الدولية، فإن أثر المشاريع السياسية “إقليميا ودوليا” تبرز نتائجها من خلال عامل زمني طويل يطلق عليه “عمر الشعوب”. لذا يتم العمل على القوة الناعمة بشكل عميق وهادئ، مع استجابة طفيفة لمتطلبات المرحلة، لإن الهدف استراتيجي، ولا يتم استنزافه من خلال التكتيكات الطارئة.

بدأت مسببات القوة الناعمة للمملكة في إفريقيا بعد أن تسللت القوى الداعمة للإرهاب إلى القارة السمراء، مستغلة قضايا الصراعات بين الدول وحتى داخل الدولة الواحدة. بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية للأنظمة، وتفاوتها بشكل غير عادل بين الكيانات والأفراد. لذا كانت متطلبات المرحلة حينها هي استيعاب هذا التغيير السلبي، وإعداد مشاريع تنموية معززة للسلام والأخلاقيات الدولية، يتم من خلالها تجفيف كل فرصة تهدم الإنسان، وتحول بيئته إلى عنصر جذب لقوى الإرهاب، وتعزز العنف. لذا كانت أهم طريقة هي الاتصال الدبلوماسي الفعال، بين قوى القارة ذات الاهتمام المشترك من جهة، والمملكة وحلفائها من جهة أخرى. ودعم ما من شأنه تنمية المجتمع واستقرار الأنظمة.

ففي الوقت الذي يتم فيه تقريب وجهات النظر بين القوى الإفريقية من خلال زاوية بانورامية، كانت هناك أعمال دبلوماسية نشطة تربط بين الدول المجاورة، وتختصر مسافات من الخلافات المتراكمة، وتذلل الصعوبات المعطلة لمصالحهم المشتركة. هذه القوة الناعمة كانت مستمدة من النظام السياسي المستقر للمملكة، والمتمتع بنفوذ دولي قوي، بالإضافة إلى العوامل الأخرى الداعمة مثل الأيدلوجية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. الهدف منهم جميعا أن تستقر الدول، وأن تركز على تنمية ذاتها، وأن تهيئ بيئتها لعلاقات دولية جاذبة للتنمية، وطاردة للعنف وقوى الإرهاب.

من ناحية أخرى، المملكة كانت ومازالت من أكبر الداعمين الدوليين للمشاريع الإنسانية، بميزانيات وقوى ضخمة، لذا من المهم أن تعزز برامج الوقاية من الأزمات الإنسانية وعوامل هدم تنمية المجتمعات، وأن تمحور عملياتها الدولية من أساليب العلاج إلى إسلوب الوقاية. اتفاق جدة للسلام بين إثيوبيا وإريتريا يقدم إنموذجا مهما للملف السعودي – الإفريقي. الإنجاز الدبلوماسي كان شاهد سلام على واحدة من أطول المواجهات العسكرية في إفريقيا. ويكفي أن نستعرض المقومات التالية لمعرفة حجم هذا الإنجاز الإقليمي والدولي المهم الذي أفرج عن مشاريع وعلاقات محورية لدول الجوار والإقليم.

إثيوبيا وهي ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان، ويطلق عليها برج المياه في شرق القارة، لإن العديد من الأنهار تنبع من أراضيها المرتفعة، ولديها أكبر احتياطي للمياه في إفريقيا، وينقصها الإطلالة على الملاحة الدولية من خلال البحر الأحمر. هذه الإطلالة تملكها جارتها إريتريا من خلال موقع استراتيجي يؤثر على مضيق باب المندب. كما أن فتح الحدود بين الدولتين يختصر حقب زمنية من التبادل التجاري، والإندماج الثقافي والديني. وفي الوقت الذي تصافحت فيه أيادي القادة في حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة، انطلقت جولة أخرى للوزير السعودي للشؤون الإفريقية لإكمال قصة أبطال الدبلوماسية السعودية.

صحيح أن الخطوة السعودية مع الدولتين “والتي كانت دولة واحدة” تمثل رد الجميل للهجرة الأولى، التي آوت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، و مثلت إنموذجا للتعايش بين الأديان والقيم النبيلة، إلا أن فرحة إثيوبيا وإريتريا في إنهاء الخلاف، يتجاوز تراكمات الصراع الطويل داخل الدولة الواحدة، وحتى بين الدولتين، للترابط العرقي والعقائدي. بدأت آثارها في الحركة الاقتصادية وكبح الجماعات المتطرفة، بلغة واعية وإيجابية، أطرها رئيس وزراء إثيوبيا ،أبي أحمد، قائلا ” من الناحية النظرية يمكن أن ينتصر شخص بقتل أخيه، ولكن هذا الانتصار لا يكون حقيقيا “.

 

محمد الحسن العماري

متخصص في الاتصال والسياسة

Alemary.org